Chapter 3 of 10
أهل خراسان
6 min read · 1,307 words
أهل خراسان
نبدأ بأهل خراسان لإكثار الناس في أهل خراسان.
ونخص بذلك أهل مرو بقدر ما خصوا به.
قال أصحابنا: يقول المروزي للزائر إذا أتاه وللجليس إذا طال جلوسه: تغذيت اليوم فإن قال: نعم قال: لولا أنك تغديت لغديتك بغداء طيب.
وإن قال: لا قال: لو كنت تغديت لسقيتك خمس أقداح.
فلا يصير في يده على الوجهين قليل ولا كثير.
وكنت في منزل ابن أبي كريمة وأصله من مرو.
فرآني أتوضأ من كوز خزف فقال: سبحان الله تتوضأ بالعذب والبئر لك معرضة! قلت: ليس بعذب إنما هو من ماء البئر.
قال: فتفسد علينا كوزنا بالملوحة! فلم أدر كيف أتخلص منه وحدثني عمرو بن نهيوي قال: تغديت يوماً عند الكندي.
فدخل عليه رجل كان له جاراً وكان لي صديقاً.
فلم يعرض عليه الطعام ونحن نأكل.
وكان أبخل من خلق الله.
قال: فاستحييت منه فقلت: سبحان الله لو دنوت فأصبت معنا مما نأكل! قال: قد والله فعلت.
فقال الكندي: ما بعد الله شيء! قال عمر: فكتفه والله كتفاً لا يستطيع معه قبضاً ولا بسطاً وتركه.
ولو مد يده لكان كافراً ولو مد يده لكان كافراً أو لكان قد جعل مع الله - جل ذكره - شيئاً! وليس هذا الحديث لأهل مرو ولكنه من شكل الحديث الأول.
وقال ثمامة: لم أر الديك في بلدة قط فلا وهو لاقط يأخذ الحبة بمنقاره ثم يلفظها قدام الدجاجة فلا ديكة مرو فإني رأيت ديكة مرو تسلب الدجاج ما في مناقيرها من الحب! قال: فعلمت أن بخلهم شيء في طبع البلاد وفي جواهر الماء.
فمن ثم عتم جميع حيوانهم.
فحدثت بهذا الحديث أحمد بن رشيد فقال: كنت عند شيخ من أهل مرو وصبي له صغير يلعب بين يديه فقلت له إما عابثاً وإما ممتحناً: أطعمني من خبزكم قال: لا تريده هو مر! فقلت: فاسقني من مائكم قال: لا تريده هو مالح! قلت: هات من كذا وكذا قال: لا تريده هو كذا وكذا! إلى أن عددت أصنافاً كثيرة.
كل ذلك يمنعنيه ويبغضه إلي! فضحك أبوه وقال: ما ذنبنا هذا من علمه ما تسمع! يعني أن البخل طبع فيهم وفي أعراقهم وطينتهم.
وزعم أصحابنا أن خراسانية ترافقوا في منزل وصبروا عن الإرتفاق بالمصباح ما أمكن الصبر ثم إنهم تناهدوا وتخارجوا.
وأبى واحد منهم أن يغينهم وأن يدخل في العزم معهم.
فكانوا إذا جاء المصباح شدوا عينيه بمنديل! ولا يزال ولا يزالون كذلك إلى أن يناموا ويطفئوا المصباح.
فإذا أطفئوا أطلقوا عينيه! ورأيت أنا حمارة منهم زهاء خمسين رجلاً يتغدون على مباقل بحضرة قرية الأعراب في طريق الكوفة وهم حجاج.
فلم أر من جميع الخمسين رجلين يأكلان معاً وهم في ذلك متقاربون يحدث بعضهم بعضاً.
وهذا الذي رأيته منهم من غريب ما يتفق للناس.
حدثني مويس بن عمران قال رجل منهم لصاحبه وكانا إما متزاملين وإما مترافقين: لم لا نتطاعم فإن لم نتطاعم فإن يد الله مع الجماعة وفي الاجتماع البركة.
وما زالوا يقولون: طعام الإثنين يكفي ثلاثة وطعام الثلاثة يكفي الأربعة.
فقال له صاحبه: لولا أني أعلم أنك آكل مني لأدخلت لك هذا الكلام في باب النصيحة.
فلما كان الغد وأعاد عليه القول قال له: يا عبد الله معك رغيف ومعي رغيف.
ولولا أنك تريد أكثر ما كان حرصك على مؤاكلتي! تريد الحديث والمؤانسة اجعل الطبق واحداً ويكون رغيف كل منا قدام صاحبه.
وما أشك أنك إذا أكلت رغيفك ونصف رغيفي ستجده مباركاً! غنما كان ينبغي أن أكون أجده أنا لا أنت.
وقال خاقان بن صبيح: دخلت على رجل من أهل خراسان ليلاً وإذا هو قد أتانا بمسرجة فيها فتيلة في غاية الدقة وإذا هو قد ألقى في دهن المسرجة شيئاً من ملح وقد علق على عمود المنارة عوداً بخيط وقد حز فيه حتى صار فيه مكان للرباط.
فكان المصباح إذا كاد ينطفئ أشخص رأس الفتيلة بذلك.
قال: فقلت له: ما بال العود مربوطاً قال: هذا عود قد تشرب الدهن.
فإن ضاع ولم يحفظ احتجنا إلى واحد عطشان.
فإذا كان هذا دأبنا ودأبه ضاع من دهننا في الشهر بقدر كفاية ليلة.
قال: فبينا أنا أتعجب في نفسي وأسأل الله - جل ذكره - العافية والستر إذ دخل شيخ من أهل مرو فنظر إلى العود فقال: يا أبا فلان فررت من شيء ووقعت في شبيه به.
أما تعلم أن الريح والشمس تأخذان من سائر الأشياء أو ليس قد كان البارحة عند إطفاء السراج أروى وهو عند إسراجك الليلة أعطش قد كنت أنا جاهلاً مثلك حتى وفقني الله إلى ما هو أرشد.
- عافاك الله! - بدل العود إبرة أو مسلة صغيرة.
وعلى أن العود والخلال والقصبة ربما تعلقت بها الشعرة من قطن الفتيلة إذا سويناها بها فتشخص معها.
وربما كان ذلك سبباً لانطفاء السراج.
والحديد أملس.
وهو مع ذلك غير نشاف.
قال خاقان: ففي تلك الليلة عرفت فضل أهل خراسان على سائر الناس وفضل أهل مرو على أهل خراسان! قال مثنى بن بشير: دخل أبو عبد الله المروزي على شيخ من أهل خراسان وإذا هو قد استصبح في مسرجة خزف من هذه الخزفية الخضر.
فقال له الشيخ: لا يجيء والله منك أمر صالح أبداً! عاتبتك في مسارج الحجارة فأعتبتني بالخزف.
أو علمت أن الخزف والحجارة يحسوان الدهن حسواً قال: جعلت فداك! دفعتها إلى صديق لي دهان فألقاها في المصفاة شهراً حتى رويت من الدهن رياً لا تحتاج معه أبداً إلى شيء.
قال: ليس هذا أريد هذا دواؤه يسير.
وقد وقعت عليه.
ولكن ما علمت أن موضع النار من المسجة في طرف الفتيلة لا ينفك من إحراق النار وتجفيفه وتنشيف ما فيه ومتى ابتل بالدهن وتسقاه عادت النار عليه فأكلته.
هذا دأبهما.
فلو قست ما يشرب ذلك المكان من الدهن بما يستمده طرف الفتيلة منه لعلمت أن ذلك أكثره.
وبعد هذا فإن ذلك الموضع من الفتيلة والمسرجة لا يزال سائلاً جارياً.
ويقال: إنك متى وضعت مسرجة فيها مصباح وأخرى لا مصباح فيها لم تلبث إلا ليلة أو ليلتين حتى ترى السفلى ملآنة دهناً.
واعتبر أيضاً ذلك بالملح الذي يوضع تحت المسرجة والنخالة التي توضع هناك لتسويتها وتصويبها كيف تجدهما ينعصران دهناً.
وهذا كله خسران وغبن لا يتهاون به إلا أصحاب الفساد.
على أن المفسدين غنما يطعمون الناس ويسقون الناس وهم على حال يستخلفون شيئاً وإن كان روثاً.
وأنت إنما تطعم النار وتسقي النار.
ومن أطعم النار جعله الله يوم القيامة طعاماً للنار! قال الشيخ: فكيف أصنع جعلت فداك! قال: تتخذ قنديلاً.
فإن الزجاج أحفظ من غيره.
والزجاج لا يعرف الرشح ولا النشف ولا يقبل الأوساخ التي لا تزول إلا بالدلك الشديد أو بإحراق النار.
وأيهما كان فإنه يعيد المسرجة إلى العطش الأول.
وازجاج أبقى على الماء والتراب من الذهب الإبريز.
وهو مع ذلك مصنوع والذهب مخلوق.
فإن فضلت الذهب بالصلابة فضلت الزجاج بالصفاء.
والزجاج مجل والذهب ستار.
ولأن الفتيلة إنما تكون في وسطه فلا تحمي جوانبه بوهج المصباح كما تحمي بموضع النار من المسرجة.
وإذا وقع شعاع النار على جوهر الزجاج صار المصباح والقنديل مصباحاً واحداً ورد الضياء كل واحد منهما على صاحبه.
واعتبر ذلك بالشعاع الذي يسقط على وجه المرآة أو على وجه الماء أو على الزجاجة ثم انظر كيف يتضاعف نوره.
وإن كان سقوطه على عين إنسان أعشاه وربما أعماه.
وقال جل ذكره: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء}.
والزيت في الزجاجة نور على نور وضوء على ضوء مضاعف.
هذا مع فضل حسن القنديل على حسن مسارج الحجارة والخزف.
وأبو عبد الله هذا كان من أطيب الخلق وأملحهم بخلاً وأشدهم أدباً.
دخل على ذي اليمينين طاهر بن الحسن وقد كان يعرفه بخراسان بسبب الكلام.
فقال له: منذ كم أنت مقيم بالعراق يا أبا عبد الله فقال: أنا بالعراق منذ عشرين سنةً.
وأنا أصوم الدهر منذ أربعين سنة.
قال: فضحك طاهر وقال: سألناك يا أبا عبد الله عن مسألة وأجبتنا عن مسألتين!